أحمد زكي صفوت
370
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
مستقبلين رياح الصّيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وجلمود « 1 » وعندي السيف الذي أعضضته « 2 » بجدّك وخالك وأخيك في مقام واحد ، وإنك واللّه - ما علمت - الأغلف « 3 » القلب ، المقارب العقل ، والأولى أن يقال لك إنك رقيت سلّما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك ، لأنك نشدت غير ضالتّك « 4 » ، ورعيت غير سائمتك ، وطلبت أمرا لست من أهله ولا في معدنه ، فما أبعد قولك من فعلك « 5 » وقريب ما أشبهت « 6 » من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة ، وتمنّى الباطل على الجحود بمحمد صلى اللّه عليه وآله ، فصرعوا مصارعهم ، حيث لم يدفعوا عظيما ، ولم يمنعوا حريما ، بوقع سيوف ما خلا منها الوغى ، ولم تماشها « 7 » الهوينى . وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكم القوم إلىّ ، أحملك وإياهم على كتاب اللّه تعالى ، وأمّا تلك التي تريد فإنها خدعة الصبىّ عن اللّبن ( في أوّل الفصال « 8 » ، والسلام لأهله ) » . ( نهج البلاغة 2 : 89 )
--> ( 1 ) ريح حاصب : أي تحمل الحصباء وهي صغار الحصى ، وأغوار : جمع غور بالفتح ، وهو ما سفل من الأرض ، والجلمود : الصخر ، ولا يخفى أن ريح الصيف إذا كانت كذلك كانت شديدة اللفح عظيمة الضرر ، والمعنى : وإن تغزونا تكونوا مستقبلين . . الخ أي تعرضوا أنفسكم لأشد الأخطار . ( 2 ) يقال : أعضضته الشئ : جعلته يعضه ، وأعضضته سيفي : ضربته به ، فهمزته للتعدية ، وقوله : أعضضته بجدك أي جعلته يعضه ويضربه والباء فيه زائدة ، وقال ابن أبي الحديد : وأعضضته أي جعلته معضوضا برءوس أهلك ، وأكثر ما يأتي أفعلته أن تجعله فاعلا ، وهو هنا من المقلوب أي أعضضت رؤوس أهلك به . وجده هو عتبة بن ربيعة جده لأمه ، وخاله الوليد بن عتبة ، وأخوه حنظلة بن أبي سفيان ، قتلهم على يوم بدر . ( 3 ) الأغلف القلب : الذي لا بصيرة له كأن قلبه في غلاف مقارب العقل : ناقصه ضعيفه ، كأنه يكاد يكون عاقلا وليس به . ( 4 ) الضالة : ما فقدته من مال ونحوه ، ونشد الضالة : طلبها وعرفها ، والسائمة : المال الراعي ، والمعنى طلبت ما ليس لك . ( 5 ) كان معاوية بادئ الأمر يزعم أنه إنما نهض للطلب بدم عثمان الذي قتل مظلوما ، وأنه لن يكف حتى يقتل قتلته ، ثم تكون الخلافة شورى بين المسلمين ، ولكنه كان يعمل لنيل الخلافة وتبوء عرشها . ( 6 ) ما مصدرية ، أي وقريب شبهك . ( 7 ) لم تماشها : أي لم تصاحبها ، بل مضت مسرعة في الرؤوس والأعناق . ( 8 ) الفصال : فطم المولود ، وما بين القوسين زائد في رواية ابن أبي الحديد .